بن عيسى باطاهر
177
المقابلة في القرآن الكريم
فالفرقة التي حصلت للناس جاءت بعد بيان الحق ، وإقامة الدين ، وبعد الاجتماع على سنن الهدى والفطرة ، وهذه الفرقة التي كثيرا ما يحذر منها القرآن هي سبب الفساد في الأرض ، والهلاك بين الشعوب . وقال تعالى : يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ( 51 ) وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ ( 52 ) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ [ المؤمنون : 51 - 53 ] . فقد جاء التوكيد في هذه الآيات على أنّ ملة الإسلام هي ملّة واحدة ، وأنّ المستحق للعبادة والخضوع هو اللّه وحده ، وعلى أساس هذه القاعدة يجب الاجتماع والوحدة ، ولكن الذي أحدثه البشر هو تمزيق هذه الوحدة حين جعلوا دينهم قطعا وفرقا منوعة كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ « أي كل فرقة من فرق هؤلاء المختلفين المتقطعين دينهم ، فرح بباطله ، مطمئن النفس ، معتقد أنه على الحق » « 1 » . قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه اللّه - ( - 728 ه ) : « فظهر أن سبب الاجتماع والألفة جمع الدين ، والعمل به كله ، وهو عبادة اللّه وحده لا شريك له ، كما أمرنا به باطنا وظاهرا ، وسبب الفرقة ترك حظ ما أمر العبد به ، والبغي بينهم ، ونتيجة الجماعة رحمة اللّه ورضوانه وصلواته ، وسعادة الدنيا والآخرة ، وبياض الوجوه ، ونتيجة الفرقة عذاب اللّه ولعنته وسواد الوجوه ، وبراءة الرسول منهم ، وهذا أحد الأدلة على أن الإجماع حجّة قاطعة ، فإنهم إذا اجتمعوا كانوا مطيعين للّه بذلك مرحومين ، فلا يكون طاعة للّه ورحمته بفعل لم يأمر اللّه به ، من اعتقاد أو قول أو عمل ، فلو كان القول أو العمل الذي اجتمعوا عليه لم يأمر اللّه به لم يكن ذلك طاعة للّه ، ولا سببا لرحمته » « 2 » .
--> ( 1 ) محمد جمال الدين القاسمي - تفسير القاسمي المسمّى محاسن التأويل - ج 12 ص 4403 . ( 2 ) الفتاوى - ج 1 - ص 16 - 17 .